محمد الغزالي

224

فقه السيرة ( الغزالي )

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [ البقرة : 217 ] « 1 » . إنّ الضجة التي افتعلها المشركون لإثارة الريبة في سيرة المقاتلين المسلمين لا مساغ لها ، فإنّ الحرمات المقدسة قد انتهكت كلّها في محاربة الإسلام ، واضطهاد أهله ! فما الذي أعاد لهذه الحرمات قداستها فجأة ، فأصبح انتهاكها معرّة وشناعة ؟ . ألم يكن المسلمون مقيمين بالبلد الحرام حين تقرّر قتل نبيّهم ، وسلب أموالهم ؟ . لكنّ بعض الناس يرفع القوانين إلى السماء عندما تكون في مصلحته . فإذا رأى هذه المصلحة مهددة بما ينتقضها هدم القوانين والدساتير جميعا . فالقانون المرعي - عنده في الحقيقة - هو مقتضيات هذه المصلحة الخاصة فحسب . وقد أوضح اللّه عز وجلّ أنّ المشركين لن يحجزهم شهر حرام أو بلد حرام عن المضي في خطتهم الأصيلة ، وهي سحق المسلمين ؛ حتى لا تقوم لدينهم قائمة فقال : وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا [ البقرة : 217 ] . ثم حذّر المسلمين من الهزيمة أمام هذه القوى الباغية والتفريط في الإيمان الذي شرّفهم اللّه به ، وناط سعادتهم في الدنيا والآخرة بالبقاء عليه فقال :

--> ( 1 ) أورده ابن هشام : 2 / 59 - 60 ، عن ابن إسحاق . قال ابن إسحاق في اخره : « والحديث في هذا عن الزهري ويزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير » ، وقد رواه البيهقي في ( سننه الكبرى ) : 9 / 12 ، بسند صحيح عن الزهري ، عن عروة مرسلا به ، ولكنّه لم يسق الحديث بتمامه ، بل طرفا من أوله ، ثم أحال على باقيه ، وقد وصله هو وابن أبي حاتم من طريق سليمان التميمي ، عن الحضرمي ، عن أبي السوار ، عن جندب بن عبد اللّه به مختصرا ، وليس فيه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام » ، وسنده صحيح إن كان الحضرميّ هذا هو ابن لاحق ، فقد قيل : إنه غيره ، وإنه مجهول ورجّحه الحافظ في التهذيب ، واللّه أعلم ، ثم رأيت البيهقيّ قد ساق في موضع اخر من السنن : 9 / 58 - 59 ، حديث عروة بتمامه وفيه : « ما أمرتكم . . » .